الخطيب الشربيني

368

مغني المحتاج

بالمسجدين بالمسجد الحرام خرج عن نذره في الأصح ، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى ، ولا عكس على النص وسكت عن نذره الاعتكاف لتقدمه في بابه . تنبيه : لا تجزئ صلاة واحدة في هذه المساجد عن أكثر منها ، فلو نذر ألف صلاة في المسجد الحرام لم تجزه صلاة واحدة في مسجد المدينة كما لو نذر أن يصلي في مسجد المدينة صلاة لا تجزيه ألف صلاة في غيره ، وإن عدلت بها كما أنه لو نذر قراءة ثلث القرآن فقرأ : * ( قل هو الله أحد ) * لا تجزيه ، وإن عدلت ثلث القرآن ولا يلحق بالمساجد الثلاثة مسجد قباء خلافا لما بحثه الزركشي لما مر ، وإن أخرج الترمذي صلاة فيه كعمرة . ثم شرع المصنف في فروع يظهر بها أن النذر هل يسلك به واجب الشرع أو جائزه ؟ والأصح عند المصنف الأول إلا فيما استثنى ، ورجح العراقيون الثاني ، واختار المصنف في باب الرجعة أنه لا يطلق ترجيح واحد من القولين ، بل يختلف الراجح منهما بحسب المسائل ، وبدأ من تلك الفروع بنذر الصوم فقال : ( أو ) نذر ( صوما مطلقا ) من غير تعرض لعدد بلفظ ولا نية ( فيوم ) يحمل عليه ، لأن الصوم اسم جنس يقع على الكثير والقليل ، والصوم لا يكون أقل منه والمتيقن يوم فلا يلزمه أكثر منه . فإن قيل : ينبغي أن لا يكتفي به إذا حملنا النذر على واجب الشرع ، فإن أقل ما وجب بالشرع ابتداء صيام ثلاثة أيام . أجيب بمنع ذلك بدليل وجوب يوم في جزاء الصيد وعند إفاقة المجنون ، وبلوغ الصبي قبل طلوع فجر آخر يوم من رمضان . تنبيه : لو نذر صوما كثيرا أو طويلا لم يلزمه أكثر من يوم كما قاله الخوارزمي في الكافي ، ومثله ما لو قال حينا أو دهرا . ( أو ) نذر ( أياما ) أي صومها ( فثلاثة ) لأنها أقل الجمع ، أو شهورا فقياسه ثلاثة ، وقيل أحد عشر شهرا لكونه جمع كثرة ، ولو عرف الأشهر احتمل ذلك واحتمل إرادة السنة وهو الظاهر ، ويجب التبييت في صوم النذر بناء على الأصح من أنه يسلك به مسلك واجب الشرع ، ولو نذر الصوم في السفر صح إن كان صومه أفضل من فطره وإلا فلا ( أو ) نذر ( صدقة فيما ) أي تصدق بأي شئ ( كان ) مما يتمول كدانق ودونه لاطلاق الاسم . فإن قيل : هلا يتقدر بخمسة دراهم أو بنصف دينار كما أنه أقل واجب في زكاة المال ؟ أجيب بأن الخلطاء قد يشتركون في نصاب فيجب على أحدهم شئ قليل . تنبيه : لو نذر التصدق بمال عظيم . قال القاضي أبو الطيب في باب الاقرار في تعليقه : لا يتقدر بشئ وأي قدر تصدق أجزأه . قال : ورأيت بعضهم يوجب فيه مائتي درهم . وفي فتاوى القفال : لو قال لله علي أن أعطي الفقراء عشرة دراهم ولم يرد به الصدقة لم يلزمه شئ كما لو قال : لله علي أن أحب الفقراء . قال الأذرعي : وفيه نظر ، إذ لا يفهم من ذلك إلا الصدقة اه‍ . وهذا هو الظاهر ، ولو نذر أن يشتري بدرهم خبزا للتصدق لزمه التصدق بخبز قيمته درهم ، ولا يلزمه شراؤه نظرا للمعنى ، لأن القربة إنما هي التصدق لا الشراء . فروع : لو قال : ابتداء مالي صدقة ، أو في سبيل الله فلغو ، لأنه لم يأت بصيغة التزام ، فإن علق قوله المذكور بدخول مثلا كقوله : إن دخلت الدار فمالي صدقة فنذر لجاج ، فإما أن يتصدق بكل ماله ، وإما له أن يكفر كفارة يمين إلا أن يكون المعلق به مرغوبا فيه كقوله : إن رزقني الله دخول الدار ، أو إن دخلت الدار - وأراد ذلك - فمالي صدقة فيجب التصدق عينا ، لأنه نذر تبرر ، ولو قال : بدل صدقة : في سبيل الله ، تصدق بكل ماله على الغزاة ، ولو قال : إن شفى الله مريضي فعلي ألف ولم يعين شيئا باللفظ ولا بالنية لم يلزمه شئ لأنه لم يعين مساكين ولا دراهم ولا تصدقا ولا غيرها ، ولو نوى التصدق بألف ولم ينو شيئا فكذلك كما جزم به ابن المقري تبعا لاصله ، لكن قال الأذرعي : يحتمل أن ينعقد نذره ويعين ألفا مما يريد ، كما لو قال : لله علي نذر . قال شيخنا : وما قاله ظاهر ، وأي فرق بينه وبين نذر التصدق بشئ ، ولو قال : إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بألف درهم مثلا فشفي والمريض فقير فإن كان لا يلزمه نفقته جاز إعطاؤه ما لزمه ، وإلا فلا كالزكاة ، ولو نذر التصدق على ولده أو غيره الغني جاز ، لأن الصدقة على الغني